المقريزي
16
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( دمشق )
والإسلامية نتعرف من ذلك إلى طرائق معاشهم ، وعاداتهم ، وثقافاتهم ، ومشاركاتهم في السياسة والإدارة ، وفعالياتهم في أطر الحياة الاقتصادية ، والعلمية ، والاجتماعية ، والثقافية ، والعمرانية ، والفنية ، بكل ضروب ذلك وألوانه وأفانينه ، وكل هذا يعدّ ركائز ومقومات لحضارة الأمة ومظاهر نشاطها . وبين أيدينا من هذه الأنواع أمثلة تتأبى على الحصر والإحاطة ، كما يضيق هذا المقام عن إيراد شذرات منها . وبذا تغدو كتب تراجم الرجال المنجم الزخّار الذي نستنبط من جوفه معدن التاريخ ومادته بأوسع مضامينه السياسية والعمرانية والحضارية ، فيقدم لنا معطيات الموضوعات لكتابة تاريخ الأمة من جديد . وهذا المنجم - دون شك - من أهم المصادر لهذه الغاية إن لم يكن أهمها على الإطلاق . . وإذا ما أراد باحث أن يتقرّى جوانب ما تجنّه أغوار هذا المنجم ومساربه ليقع على المادة التي يصوغ بها التاريخ الحضاري للأمة يجدها ثرية وفيرة متنوعة ، وما عليه إلا السبر واستنباط الكنوز ، فكتب الرجال لا تقدم للباحث الحوادث والصور الاجتماعية ، والمظاهر الحضارية ، والأخبار عن النشاط الإنساني بسياقها الزمني المتسلسل ، وترابطها المنطقي ، وتماسكها السببي ، حيث إن ذلك مبثوث تفاريق في ثنايا التراجم الموزعة في كتب الرجال تحتاج إلى اليد الخبيرة ، والبصيرة النافذة لسبر بطون هذه الكتب والتنقيب عنها ، ومن ثم تستخرجها وتفرزها زمنا ، ونوعا ، وزمرا ، ودوائر ، وبعد أن تخلّصها مما علق بها